مقال الدكتور حسام الخطيب
"يقال إن الخليفة المأمون كان يزن للمترجم ثقل كتابه ذهباً. وكانت "دار الحكمة" في عهد الخلافة العباسية موئل الأدباء والفلاسفة والعلماء، وكانت منارة الدنيا لا تفرِّق بين عالِم وعالم إلا بفضله وجدِّه وأمانته وابتكاره.
بمثل هذا الانفتاح أينعت شجرة الثقافة العربية الاسلامية وآتت أُكلها وملأَت العالم ظلاً وثمرا. واليوم تزدهر حركة الترجمة في العالم وتقدم نفسها مركبة ذهبية طيعة لمن يؤمن بتلاقح الأفكار وحوار الحضارات وعالمية المعرفة.
وفي مطلع هذا القرن، بل منذ مطلعه، أخذت الترجمة تقوم بدور فائق في النهضة العربية الحديثة، وقطع الوطن العربي شوطاً كبيراً في مجال نقل المعلومات والمعارف وروائع الإبداع. كما حظي التراث العربي العظيم وبعض قمم الأدب الحديثة بفرصة الترجمة إلى اللغات الأجنبية وتقديم الصورة الحقيقية للثقافة العربية ماضياً وحاضراً.
أين نحن في قطر من هذه الحركة الثقافية التبادلية العظيمة؟!
في دراسة أجراها العبد الفقير حول الترجمة في قطر لم أعثر على كتاب واحد ذي أهمية معرفية عامة، ترجم ونشر في قطر. كما أن مجمل الكتب التي ترجمت من لغات أجنبية إلى العربية لأسباب مختلفة لا يتجاوز معدل كتابين في العام الواحد، وتتألف من ثلاث أو أربع رسائل دكتوراه، وبعض الكتب العلمية أو المدرسية المقررة، وبعض الكتب التوجيهية. أما الترجمة بالمعنى المعرفي، أي ترجمة أمهات الكتب مثلاً أو الأعمال الإبداعية المشهود لها عالمياً أو الأعمال الفكرية التي تطرح قضايا دسمة، فلا وجود لها في القائمة المتواضعة للترجمات المحلية.
وتغلب على مجمل حركة الترجمة الدوافع الوظيفية، أي أن الترجمات تعدُّ لخدمة مؤسسات عامة أو لأغراض تعريفية أو توجيهية أو ما أشبه ذلك.
وينطبق هذا الواقع على حركة الترجمة العكسية، أي من العربية إلى اللغات الأخرى. وتكاد تحتكر اللغة الانجليزية وجهتي الترجمة من العربية وإليها.
ثم أين المترجمون المؤهلون؟ وأي ضبط يجري لما يطرح في ميدان العمل وميدان الثقافة من ترجمات؟ ومن الحق أن نذكر أنه بفضل وحدة الثقافة العربية تعتمد السوق القطرية على الإنتاج القادم من مختلف الأقطار العربية.
ولكن، نظن أن المستوى الثقافي والعلمي والتعليمي قد وصل الآن إلى درجة تتطلب العمل على تنمية الترجمة ودعمها وتنظيمها.

ولنا بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث كبير الأمل بأن يولي هذا الموضوع جل اهتمامه.

وما نحسب أن الأمر غائب عن أذهان أولي الأمر في المجلس، وهم أولو عزم وفكر وغيرة.
وحسبنا أن نختتم هذا التذكير بعنوان مقال مشهور لميخائيل نعيمة أحدث ضجة مثمرة في مطلع القرن العشرين: "فلنترجم". [نهاية المقالة]
ويمكن اعتبار هذا التذكير نداءً تاريخياً حفز الهمم، ووجد آذاناً صاغية، منفتحة على محيطها، ومشرفين واعين بمسؤوولياتهم الفكرية والثقافية تجاه المجتمع القطري.

ويظل، كالعادة، أفضل برهان هو الحجة الملموسة الموثقة التي تتمثل في إنجازات هذا المركز الفتيّ.

 خريطة الموقع